تناقش الكاتبة سارة سيف الدين مستقبل ملكية شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، في ظل مساعي مجموعة موانئ أبوظبي لزيادة حصتها داخل واحدة من أهم شركات الخدمات اللوجستية والموانئ في مصر. وتكشف التطورات الأخيرة عن توازن معقد بين خطط الخصخصة وجذب الاستثمارات الأجنبية من جهة، ورغبة الدولة في الحفاظ على نفوذها داخل القطاعات الاستراتيجية من جهة أخرى.
وأوضح موقع مدى مصر أن الحكومة المصرية أكدت رفضها بيع حصتها الحالية في الشركة، بعدما تقدمت مجموعة موانئ أبوظبي بعرض شراء إجباري يهدف إلى رفع ملكيتها إلى نحو تسعين بالمئة من إجمالي الأسهم. وجاء الموقف الحكومي متسقًا مع تصريحات سابقة لوزارة النقل والشركة القابضة للنقل البحري والبري، اللتين شددتا على عدم الرغبة في التخارج من الشركة خلال المرحلة الحالية.
خلاف حول تقييم الأصول الاستراتيجية
يرى مسؤولون وخبراء في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية أن السعر المعروض لا يعكس القيمة الحقيقية للشركة، خاصة أنها تحقق أرباحًا مرتفعة وتحتفظ بموقع محوري داخل منظومة النقل البحري المصرية. وقدمت مجموعة موانئ أبوظبي عرضًا بسعر 27.47 جنيهًا للسهم، بزيادة محدودة عن عرض سابق طُرح في نهاية عام 2025، إلا أن جهات داخل الدولة اعتبرت أن التقييم ما زال أقل من القيمة الفعلية للأصل.
وتعود جذور هذا التحفظ إلى تجربة الخصخصة الجزئية التي شهدتها الشركة خلال أزمة النقد الأجنبي عام 2022، عندما باعت الحكومة حصصًا لمستثمرين إقليميين بهدف توفير سيولة عاجلة. وأثارت تلك الصفقات لاحقًا تساؤلات بشأن تقييم بعض الأصول العامة، خاصة بعد تحقيق المستثمرين أرباحًا كبيرة من إعادة بيع الأسهم بأسعار أعلى.
وتشير البيانات المالية إلى أن الشركة حققت أداءً قويًا خلال السنوات الأخيرة، إذ سجلت إيرادات بلغت نحو 168 مليون دولار وأرباحًا قاربت 122 مليون دولار خلال عام 2025 وحده. كما ارتفعت الأرباح الموزعة على المساهمين بصورة كبيرة، ما عزز القناعة لدى بعض الدوائر الحكومية بأن قيمة الشركة السوقية الحالية تتجاوز بكثير ما يعكسه العرض الإماراتي.
توسع إماراتي في قطاع الموانئ المصري
يتجاوز الجدل الحالي مسألة السعر المالي إلى اعتبارات استراتيجية أوسع ترتبط بتنامي الحضور الإماراتي في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية داخل مصر. فقد عززت مجموعة موانئ أبوظبي وجودها خلال السنوات الماضية عبر استثمارات متعددة في موانئ البحر الأحمر ومشروعات داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إضافة إلى حصصها المتزايدة في شركات تشغيل الحاويات.
ويرى بعض المسؤولين أن استمرار توسع المجموعة الإماراتية يمنحها نفوذًا متزايدًا داخل شبكة النقل البحري المصرية، وهو ما يدفع الدولة إلى الاحتفاظ بحصة مؤثرة داخل بعض الشركات الرئيسية لضمان استمرار دورها الرقابي والإشرافي.
وتبلغ حصة الحكومة الحالية نحو 42.9 بالمئة من أسهم شركة الإسكندرية لتداول الحاويات، منها 35.3 بالمئة عبر الشركة القابضة للنقل البحري والبري و7.6 بالمئة عبر هيئة ميناء الإسكندرية. وتسعى الحكومة، وفق مصادر مطلعة، إلى الاحتفاظ بنسبة لا تقل عن 21 بالمئة لضمان استمرار اختصاص الأجهزة الرقابية، وعلى رأسها الجهاز المركزي للمحاسبات، في متابعة أعمال الشركة ومراجعة حساباتها.
الخصخصة بين الحاجة للسيولة والحفاظ على النفوذ
تأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه الحكومة تنفيذ برنامج توسيع مشاركة القطاع الخاص وتقليص الوجود الحكومي في عدد من الأنشطة الاقتصادية، وفق وثيقة سياسة ملكية الدولة الصادرة عام 2023. وتشمل الخطط المستقبلية طرح حصص في شركات تشغيل الحاويات بميناءي دمياط وبورسعيد، وهما شركتان تتمتعان بأحجام أعمال كبيرة وتؤديان دورًا مهمًا في حركة التجارة البحرية.
وفي المقابل، تواجه الحكومة التزامات مالية مرتفعة وجدولًا مكثفًا لسداد الديون خلال العام المقبل، ما يدفعها إلى البحث عن مصادر إضافية للسيولة بالتزامن مع مراجعاتها المستمرة لبرامج التمويل مع المؤسسات الدولية.
ورغم هذه الاحتياجات التمويلية، تكشف قضية شركة الإسكندرية لتداول الحاويات عن توجه أكثر حذرًا في إدارة ملف الخصخصة، حيث توازن الدولة بين جذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق أفضل قيمة ممكنة للأصول العامة، مع الحرص على عدم فقدان نفوذها داخل القطاعات الاقتصادية ذات الأهمية الاستراتيجية. وبذلك يبدو أن الحكومة المصرية لم تعد تنظر إلى بيع الأصول باعتباره وسيلة سريعة لتوفير السيولة فحسب، بل باعتباره قرارًا يرتبط أيضًا بحسابات الأمن الاقتصادي ومستقبل السيطرة على البنية التحتية الحيوية للدولة.
https://www.madamasr.com/en/2026/06/22/news/u/govt-holds-tight-to-shares-in-port-logistics-company-as-uae-bids-to-increase-share/

